الصورة
المدونة الطبية
نشر المدونة
الصورة
إساءة استخدام العقاقير .. آثار مدمرة على صحة الدماغ

إساءة استخدام العقاقير .. آثار مدمرة على صحة الدماغ

xx يونيو 2020- تبرز إساءة استخدام العقاقير اليوم باعتبارها إحدى التحديات المستمرة والمشاكل الخطِرة التي تواجه البشرية، حيث تفيد التقديرات الصادرة عن "مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة" (UNODC) بأنّ حوالي 35 مليون شخص في العالم يعاني من اﺿطراﺑﺎت ﻧﺎﺟﻣﺔ ﻋن ﺗﻌـﺎطﻲ اﻟﻣﺧـدرات في العام 2019.

ومن المقرّر أن تكون قضية إساءة استخدام العقاقير في دائرة الضوء مع استعدادات العالم لإحياء "اليوم الدولي لمكافحة إساءة استعمال المخدرات والاتجار غير المشروع بها" في السادس والعشرين من يونيو الجاري، والذي يمثل فرصة مثالية لتوحيد وتوجيه الجهود المشتركة بين الأفراد والمنظمات وصياغة أطر متينة للتعاون الوثيق في دعم المجتمعات للقضاء التام على ظاهرة تعاطي المخدرات، باعتبارها تهديد حقيقي على كافة المستويات. ونتطلّع في "مجموعة مستشفيات السعودي الألماني"، باعتبارنا أكبر مجموعة مستشفيات خاصة في منطقة الشرق الأوسط، إلى الانضمام إلى نخبة الجهات الداعمة لليوم العالمي، سعياً وراء الارتقاء بمستوى الوعي ونشر أفضل الممارسات التي من شأنها مواجهة قضية تعاطي المخدرات بكفاءة وفعالية تامة. وتندرج هذه الخطوة في إطار التزامنا الراسخ بمواصلة الاستثمار الأمثل لمواردنا في تنفيذ مبادرات نوعية تصب في خدمة أمن وسلامة المجتمع السعودي، واضعين نصب أعيننا مواصلة العمل على تحقيق تطلعاتنا المتوائمة مع "رؤية المملكة 2030" في بناء مجتمع حيوي يوفر حياة سعيدة وبيئة صحية للجميع.

ولا بدّ لنا هنا من دراسة العوامل الكامنة وراء الخطر الهائل المرتبط بتعاطي العقاقير. فبمجرد النظر إلى الشخص المدمن، يمكننا أن نلحظ تغييرات سلوكية سلبية وتصرفات مضطربة تقود إلى آثار عاطفية وجسدية ومالية مدمرة على الصعيدين الشخصي والعائلي. وتتسبب إساءة استخدام العقاقير في إحداثِ تغيير جذري في السلوك الشخصي مع مرور الوقت، مؤديةً بذلك إلى انعدام القدرة على التفكير المنطقي والدخول في حالة من القلق والاكتئاب والعزلة التامة. ويُعزى السبب بالدرجة الأولى إلى تأثير إدمان المخدرات على آلية عمل دماغ الإنسان، هذا الجهاز المعقد والمكلّف بالتحكم في جميع وظائف الجسم وضبط عواطفنا وتدفق أفكارنا. وفي حال إساءة الاستخدام، تقود العقاقير إلى تأثيرات واضحة تعطل النشاط الطبيعي للدماغ، وبالتالي تدهور حياة الشخص.

وأظهرت الدراسات تغير جذري في عملية الاتصال العصبي داخل دماغ متعاطي المخدرات، لدرجة لوحظ فيها مستوى غير طبيعي من النواقل العصبية، التي تعتبر مواد كيماوية تستخدم من قبل الخلايا العصبية للتواصل مع بعضها البعض والسيطرة على السلوكيات والأفكار البشرية. لذا يتسبّب التغيير الحاصل في حدوث خلل كبير في الرسائل العصبية، إلى جانب التداخل مع آلية عمل الخلايا العصبية في إرسال واستقبال ومعالجة المعلومات.

وتم تسجيل حالات عدة أظهرت قدرة العقاقير على محاكاة كيميائية النواقل العصبية في دماغ عدد من المرضى، فيما أفاد المتخصصون بوجود "الدوبامين"، وهو ناقل عصبي مرتبط بشعور السعادة، بمستويات تتجاوز بكثير الحد الطبيعي. وفي هذه الحالة، تقوم الخلايا العصبية بإجراء تعديلات عن طريق تقليل مستويات الدوبامين. ومع مستويات أقل من الدوبامين، قد يشعر الشخص بالاكتئاب والوحدة والقلق في حال عدم تناول العقاقير. وهنا، تتزايد الحاجة إلى تناولها مرة أخرى لتحفيز الشعور بالسعادة والنشاط والطاقة. ويدخل الشخص المدمن عندئذٍ في دوامة التعاطي، مع تكرار إساءة استخدام العقاقير لفترة طويلة، لتتحول حياته إلى حلقة مفرغة.

ويسبب الإفراط في استهلاك العقاقير، المصرّح أو غير المصرّح بها لغرض تحفيز الشعور بالرضا أو تجنب الواقع أو غيرها من الأسباب، ضرراً بالغاً في بنية الدماغ. إذ يمكن للأدوية تقليص أو تضخيم أقسام الدماغ، مع ظهور آثار مدمرة على الصحة البدنية والعقلية والنفسية للأفراد. كما تؤدي إساءة استخدام العقاقير أيضاً إلى تلف بعض الخلايا العصبية في نهاية المطاف، نتيجة التعرّض للأدوية السامة بصورة منتظمة ولفترات طويلة.

وقد يجد الأشخاص، الذين بدأوا يدخلون دوامة الإدمان، أنفسهم يتناولون المزيد من الأدوية لفترة أطول من اللازم، فيما يميلون في أغلب الأحيان إلى قضاء الوقت بمفردهم مع عدم الاهتمام بمظهرهم الخارجي. وقد يتجه البعض إلى الكذب أو السرقة أو الخيانة، مع تراجع القدرة على اتخاذ قرارات سليمة. وفي الكثير من الحالات، يظهر ضعف ملموس في الذاكرة مع صعوبة في التعلم، والتي تمثل بمجملها علامات تحذيرية تتطلب التدخل المبكر والاستعانة بفريق أخصائي للحصول على العلاج المناسب.

ويوجد في الوقت الراهن العديد من المؤسسات المجهزة والمؤهلة للتعامل بفعالية مع حالات سوء استخدام العقاقير. ففي "المستشفى السعودي الألماني"، على سبيل المثال، يقدّم قسم الطب النفسي لدينا الدعم الاحترافي للأشخاص الذين يعانون من الإدمان، والذي يعتبر مرضاً عقلياً يتطلب علاجاً متخصصاً، مع التركيز على توفير منظومة علاجية متكاملة مع الدعم اللازم الذي يتناسب مع الاحتياجات المتفردة لكل مريض. ويُشرف على القسم فريق عمل متعدد التخصصات، يضم نخبة من الأطباء النفسيين والأخصائيين الاجتماعيين والمعالجين المهنيين. ويتبع فريق عملنا، على صعيد تقديم خدمات الطب النفسي، نماذج رعاية مبتكرة ومتكاملة تستند بمجلمها إلى نهج شامل، سعياً وراء جعل خدماتنا الصحية والسلوكية عالية الجودة في متناول الجميع، لا سيّما الأشخاص الأكثر عرضة لخطر الإصابة بأمراض نفسية أو عقلية.

ولا يمكننا هنا سوى التأكيد على الدور المحوري الذي تقوم به العائلة في إنقاذ حياة الشخص الذي يعاني من الإدمان، حيث يعتبر الدعم والحب المقدم من المحيط العائلي دعامة أساسية لتجاوز المحنة، والتأكد من الشفاء التام للمريض ليكون قادراً على مواصلة حياته بصورة طبيعية بعيداً عن خطر العقاقير.

 

مواضيع ذات صلة